إذا وطئت قدماك قطاع غزة، أو حنوب لبنان، أو حتى سيناء.. اخلع نعليك، وامش بهدوء، وأقرأ الفاتحة طوال طريقك.
هذي الأرض مبتلة بدماء شهداء الحق، الذين دافعوا عن شرفك وعرضك وكرامتك..
هؤلاء المقاومون وسكان الحياة التي كانت هنا من قبل، ضحوا بأرواحهم لأجل لأن تعيش أنت، لا أن تبيع الأرض بعروض واهية.
لا تصدق أن واشنطن، أو أوسلو، أو كامب ديفيد، أو وادي عربة، أو الإبراهيمية، انتصار.. ولا هي هزيمة، إنما هي سفينة ألقت مرساتها في بحر العدو.. قلعة فتحت أبوابها الداخلية.
أنظر، وقعت إسرائيل برعاية أمريكية، وتصفيق أوروبي هدنة سلام في قطاع غزة، في التاسع من أكتوبر 2025، وعقد مؤتمر عالمي بحضور عريس الزفة "ترامب" في 13 أكتوبر 2025، بمنتجع شرم الشيخ المصري، بعد وساطة مصرية سعت لوقف حرب الإبادة للشعب الفلسطيني.
الاتفاق تضمن: إنهاء العمليات العسكرية في قطاع غزة بصورة كاملة، تبادل الرهائن الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين، انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من غزة (حيث نصت المرحلة الأولى على الانسحاب شرقاً من المناطق المأهولة) ضمان دخول المساعدات الإغاثية والطبية والوقود إلى كافة مناطق القطاع دون عوائق (حيث اتفق على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميا، وفتح معبر رفح وكافة المعابر لإدخال المساعدات، وخروج الجرحى والمرضى من الأطفال والنساء والعجائز لتلقي العلاج بعد أن أباد الاحتلال الحياة في غزة) البدء في مشاورات حول آليات إدارة القطاع وتوفير الأمن، مع إطلاق خطة شاملة لإعادة الإعمار، تشكيل إدارة فلسطينية انتقالية من التكنوقراط لإدارة شؤون القطاع، و إنشاء هيئة دولية تحت مسمى "مجلس السلام الخاص بغزة" للإشراف على المرحلة الانتقالية.
ما تحقق من الاتفاق، أوفت المقاومة الفلسطينية وسلمت الرهائن، وخرق الاحتلال ذلك البند بعدم إطلاق سراح ذوي المؤبدات العليا (مروان البرغوثي، أحمد سعدات، عبد الله البرغوثي، إبراهيم حامد، عباس السيد، حسن سلامة، نائل البرغوثي) وأغلق المعابر، ولا يسمح بإدخال أكثر من 200 شاحنة يومياً، تعنت في إخراج المرضى والجرحى، وسع من مساحة الاحتلال حتى بات يحتل نحو 60% من القطاع، ورسم مع ترامب خطوط صفراء وحمراء وخضراء، ولجنة التكنوقراط لم يسمح لها بدخول القطاع، وتطالب بحل مشكلة المليشيات الفلسطينية التي شكلها الاحتلال لقتال المقاومة والشعب الفلسطيني، ويتفنن يومياً في قتل الفلسطينيين فمنذ منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر 2025، استشهد 766، وأصيب 2147، (حسب احصائيات وزارة الصحة الفلسطينية بقطاع غزة يوم الخميس 16 إبريل 2026) ولا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة. بسبب القصف وأن 70% من سيارات الإسعاف ومركبات النقل الصحية خرجت عن الخدمة، بسبب استهداف الاحتلال العديد منها وتهالك البعض الآخر مع تراكم الأعطال الفنية، ومنع إدخال قطع الغيار لغزة.. ومازالت الأزمة الإنسانية تتفاقم، ويعاني أهل غزة من نقص الدواء، وحليب الأطفال، ومياه الشرب النظيفة، والخبز، والخيام المهترئة سيدة الموقف، لم يعد قطاع غزة، بل قطاع الخيام المتهالكة، ومحافظاته الخمس هي محافظات للموت، علماً بأن "أوسلو" لم تحم الضفة الغربية من توسيع مساحة الاستيطان المتوغل، تحت مرأى العالم.
** مولد كامب ديفيد لبنان
اليوم أجدني أقف أمام السادات، الذي تخلى عن محيطه العربي وذهب منفرداً لإبرام صفقة، وصفها المفكر القومي الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه "هذه المعاهدة" هي صفقة خرجت مصر بمقتضاها من الصراع العربي الإسرائيلي، وهي التي أرست قاعدة أن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا، وهو ما حطمته إيران والمقاومة حالياً.
السادات فاجأ الجميع عربا ومصريين والعالم خلال افتتاح دورة مجلس الشعب المصري (9 نوفمبر 1977) بقوله "ستدهش إسرائيل حينما تسمعني أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم.. إنني مستعد أن أذهب إلى آخر العالم.. أقول إنني لا أمانع في الذهاب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته"، لكنه ذهب منتصراً (حرب أكتوبر 1973) وليس في عام 1967 والأرض محتلة، كما أنه نجح في السيطرة على مؤسسات الدولة من خلال انقلاب 15 مايو 1971، والذي عرف في كتب التاريخ الرسمية بـ "ثورة التصحيح"، وكان يريد كسر حالة "اللا سلم واللا حرب"، وقرر القفز فوق الجميع، ليفرض واقعاً جديداً يجبر أمريكا وإسرائيل على التحرك السريع، خشية أن يعرقل السوفيت والعرب والساسة المصريين تلك الخطوة، خاصة بعد خروج وزير الخارجية هنري كيسنجر، من السلطة، والذي يوصف بأنه "مهندس عقلية السلام" لدى السادات ونقله للمعسكر الأمريكي. نجح السادات المصري في استعادة ما تبقى من الأرض المحتلة باتفاقية "كامب ديفيد" لكنه خسر محيطه، وحياته في نهاية المطاف.
اليوم فاجأنا الرئيس عون "السادات اللبناني" بقوله مقولة نوفمبر 1977، "مستعد للذهاب إلى أي مكان لإنقاذ لبنان وخدمة اللبنانيين"، مما يفهم منه الجلوس مع رئيس وزراء الاحتلال في واشنطن عندما يدعوه ترامب، قبل تحقيق المطالب اللبنانية وهي انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وإطلاق سراح الرهائن اللبنانيين، وترسيم الحدود لحل مشكلة "مزارع شبعا"، ووقف العدوان.. أما سلاح المقاومة وإعادة الإعمار فذلك شأن داخلي، ومن الممكن أن تساهم فيه القوى الإقليمية الكبرى (مصر والسعودية بتفاهمات إيرانية). مالا يدركه السادات اللبناني، أن ترامب الذي توجه له بالشكر، هو لا يفعل ذلك من أجل سلام لبنان، ولكنه يريد اختطافها من الحضن العربي، وتهميشه لتحقيق مكاسب سياسية سريعة، والأمر لن يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية حدودية تخدم إسرائيل، وتترك لبنان في حالة انقسام داخلي، وترسيخ حدود جديدة تحفظ أمن إسرائيل، ألم يقل في بداية ولايته الثانية "أرى أن مساحة إسرائيل صغيرة"(؟).. كما أن خطوة السلام المنفرد هي تغييب للمبادرة العربية للسلام (الأرض مقابل السلام) مما يُضعف الموقف التفاوضي العربي الجماعي ويفرغ المبادرة العربية من محتواها، ويتعارض مع الرؤية المصرية السعودية بشأن الأمن القومي العربي، بأن أي اتفاق سلام يجب أن يخدم الاستقرار الكلي.
** الشرق الأوسط لأصحابه
فات السادات اللبناني أن هناك محور يتشكل منذ العام 2024، تقوده مصر والسعودية وإيران وتم ضم باكستان له مؤخراً، يقوم على فكرة "الشرق الأوسط لأصحابه" وهو يعمل على تصفير المشاكل وحلها داخل البيت الإقليمي، والخروج من العباءة الأمريكية، والتوجه شرقاً نحو الصين وروسيا، كظهير دولي يحول الطموح الإقليمي إلى واقع جيوسياسي يصعب تجاوزه، باستخدام حق الفيتو "كحائط صد" أمام أي محاولة لتقويض هذا النظام الإقليمي الناشئ، والحصول على تكنولوجيا عسكرية متطورة، وبنية تحتية وتقنيات رقمنة واتصالات من الصين وروسيا، دون "شروط الولاء" التي تفرضها واشنطن، التي تسعى من خلال السادات اللبناني لإحداث ثغرة بالتحالف الذي يتشكل، مستغلة رغبته في إنهاء المشروع الإيراني في لبنان، وهو ما يتفق مع رغبة ترامب ونتنياهو، في تحطيم النفوذ الإيراني بالمنطقة، وهو نفوذ فرضته حاجة المقاومة لراعٍ مؤتمن بعد غياب الراعي الإقليمي.
وبالتالي الخطوة التي أقدم عليها السادات اللبناني هي محاولة أمريكية إسرائيلية لإعادة واشنطن كلاعب وحيد يحدد مصير الساحات العربية، وهو ما تعتبره مصر والسعودية ارتداداً عن مسار "الاستقلال الاستراتيجي". كما أن الانفراد الأمريكي الإسرائيلي بلبنان، لن يتجاوز كونه اتفاق أمني يريح شمال إسرائيل، وقد وضحت الرؤية اليوم بإعلان إسرائيل إنشاء خط أصفر جنوب نهر الليطاني، كالخط الأصفر الغزاوي.
** الهروب لا يعني الانتحار
الهروب من إيران كما قال السادات اللبناني في خطابه (الجمعة 17 إبريل 2026) "لبنان لم يعد ورقة في جيب أحد ولا ساحة لأحد"، ربما يفسر أيضاً بأنه يقصد السعودية الراعي التاريخي للبنان، وهو الراعي لاتفاق الطائف.. وعليه أن يدرك، أن القاهرة والرياض يرغبان في خروج إيران قوية لتأمين الجبهة الشرقية للشرق الأوسط، وانضمام إيران للمحور يعني فقدان أمريكا لورقة الابتزاز الأمني الذي سوقته لعقود بالمنطقة، وستكون ورقة قوة في أي تسوية مثل غزة ولبنان وسوريا والعراق والسودان وليبيا والصومال، وحتى سد النهضة.
وباكستان ستمنح المحور هيبة أمنية بقوتها النووية، مما يجعل القوى الدولية حتى أمريكا تحسب ألف حساب قبل التدخل في شؤون المنطقة، كما أنه يخلق منطقة جغرافية متصلة، في الوقت ذاته تبحث باكستان عن استقرار اقتصادي، وهو ما تجده في الاستثمارات السعودية والإمدادات النفطية الإيرانية والخبرات الإنشائية المصرية.
الذكاء السياسي المصري السعودي الإيراني، هو ضم تركيا، لتوظيفها لخدمة الأهداف الإقليمية الكبرى، وليس وفقا للأجندة التركية الخاصة، باستغلال علاقتها النفعية مع الغرب لتليين المواقف الدولية، مع رغم علمهم بأنها "تاجر سياسة قطاعي".
السادات اللبناني، سار على نهج نظيره المصري، ربما دون إدراك بأنه يأخذ لبنان لعزلة عربية، وترسيخ للانقسام الذي يفضي لعودة الحرب الآهلية، وهو ماتريده إسرائيل لتأمين حدودها الشمالية، وتحقيق خطة الصهيونية المسيحية بإقامة منطقة عازلة بمشروع مدينة ترامب بالجنوب اللبناني.
الارتماء في الحضن الأمريكي، ليس مصدر قوة، لأنها تريد حلفاء ضعفاء خاضعين للهيمنة الإسرائيلية، بينما روسيا والصين يرغبان في حلفاء أقوياء، لحماية استثماراتهما، ورغبتهما في كسر النفوذ الغربي بمنطقة ظلت لعقود حكراً لهم.. وعليك أن تنظر للحرب على إيران والمفاوضات الجارية معها، تتم دون اعتبار لأصحاب الأرض، ولا تعتقد أن السعودية ومصر بمنأى عن تلك المفاوضات ورسم خيوطها بالتعاون مع باكستان وإيران، وهو أمر واضح.
ليس عيباً أن نخطئ فنتراجع عن الخطأ، لأن تلك الخطوة "لغم" تزرعه أمريكا وإسرائيل لإحياء "الاتفاقات المنفردة، التي تكسر وحدة الصف العربي، وهنا نسأل "هل ستجد طائرة الرئاسة عند عودتها من واشنطن مدرجاً أمناً للهبوط في قلوب اللبنانيين، الذين يرون تلك الخطوة خيانة للدم الذي لم يبرد بعد؟".. وهل ستهبط داخل الخط الأصفر أم خارجه؟
---------------------------------
بقلم: محمد الضبع






